الشيخ محمد زاهد الكوثري

148

العقيدة وعلم الكلام ( ويليه نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى ( ع ) قبل الآخرة و . . . )

غضا رطبا كما أنزل فليقرأ على قراءة ابن أم عبد » يعني ابن مسعود . فالدليل من وجهين : أحدهما : أنه صلى اللّه عليه وسلم خصّ هؤلاء الأربعة بجودة القراءة دون غيرهم من الصحابة ، وإن كان المقروء بقراءة هؤلاء هو المقروء بقراءة غيرهم ، ففاضل صلى اللّه عليه وسلم بين القراءة وقدّم بعضها على بعض ، وكلام اللّه القديم لا يجوز عليه الجودة والرداءة بل كله شيء واحد جيد لا يختلف ، وإن اختلفت القراءة له . الثاني من الدليلين : أن الرسول صلى اللّه عليه وسلم أضاف القراءة إلى ابن مسعود دون القرآن الذي هو كلام اللّه تعالى فقال : « من سرّه أن يقرأ القرآن كما أنزل فليقرأ على قراءة ابن مسعود » . فقراءة ابن مسعود صفة له ، والمقروء كلام اللّه صفة له لا لابن مسعود . وأيضا فإنه وصف قراءة ابن مسعود بأنها غضة رطبة وهذه صفة لا تقع إلا على صفة المحدثين ؛ لأن قراءة بعضهم تكون غضة رطبة ، مستحسنة تميل إليها القلوب ، وقراءة بعضهم فجة غليظة تنفر عنها الطبائع ، والمقروء بهذه هو المقروء بهذه ، وكذلك بعض القراءات مصححة معربة ، وبعضها ملحونة معوجة مفسدة ، والمقروء بهذه ، هو المقروء بهذه لأن القديم لا يتصف بالصحة تارة وبالفساد تارة أخرى ، إنما يتصف بالفساد تارة وبالصحة تارة أخرى صفة المخلوقين ، وهي قراءتهم دون المقروء والمتلو الذي هو كلام اللّه القديم . * * * فصل [ في بيان الأدلة الدالة على أن الحروف والأصوات هي من صفات قراءة القارئ لا أنها من كلام الباري ] وأما الدليل على أن الحروف والأصوات من صفات قراءة القارئ ، لا أنها من كلام الباري سبحانه وتعالى من الأخبار فكثير جدا ، لكن إن شاء اللّه أذكر من ذلك ما يقع به الكفاية لكل عاقل محصل . فمن ذلك : ما روى أبو هريرة أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان إذا قام من الليل فقرأ يخفض طورا ويرفع طورا . وعن أم سلمة رضي اللّه عنها أنها نعتت قراءة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فإذا هي تنعت قراءة مفسرة حرفا حرفا ، فموضع الدليل من هذين الخبرين أنهما أضافا القراءة إليه صلى اللّه عليه وسلم ، وأضافا الخفض والرفع بتفسير الحروف حرفا حرفا إلى قراءة القارئ لا إلى كلام الباري ، وكل حديث أذكره لك بعد هذين الحديثين فتأمله ؛ فإني أذكرها سردا إن شاء اللّه ، فتجد في كل حديث ما يدلك على صحة ما أقول ، وهو : إضافة الصوت ، والحرف إلى قراءة القارئ لا إلى كلام الباري القديم الأزلي .